هل من الممكن رسم لوحة كاملة ومرضية تماماً؟

إن كل لحظة تمر أثناء الرسم هي لحظة كاملة ومثاليّة... ولكن بمجرد ما أن تنتهي من الرسم يستحيل أن تكون اللوحة كاملة لأنها إذا كانت كذلك سينتحر الرسام... فلا حاجة للعيش بعد الآن.

إن الحياة عبارة عن شغف... شغف للوصول إلى قمم أعلى وأعلى، والغوص في الوجود أعمق وأعمق ولكن ما لا يمكن وصفه هو كل لحظة تمر أثناء هذا الشغف.... فعندما ترسم فإن كل لمسة بالفرشاة وكل لون تضعه وكل لحظة تمر بك هي مُرضية كل الرِضا... فلا شيء تريده حينها لأنك عندما تخلق وتبدع فأنت غير موجود... ولكن سيختلف الأمر لو كنت عاملا تقنيا.... فالعامل لا يهيم أثناء الرسم لأنه مفصول عن اللوحة لا يستخدم إلا المعلومات التي لديه عن الرسم، فلا يرسم بقلبه لأن قلبه خالي من الإبداع... لا يمكنه أن يبدع إلا في الأمور التقنية وليس في الفن لأنه ليس مجاله... لا يمكنه أن يعيش حالة الحب مع اللوحة كالرَّسام... فالرَّسام يرتبط معها وكأنهما شيء واحد لينسى نفسه فيها بعد ذلك...

 لهذا ينسى الرسامون عن أمر الطعام والشراب والنوم أثناء الرسم... ينسون الجسد ويستمرون بالرسم لساعات طويلة ولا يشعرون بالتعب، فكل لحظة تكفيهم وتشعرهم بالرِّضا التام.

 لكن بمجرد ما أن تنتهي اللوحة يشعر الرَّسام بحزن كبير... هذا هو الفرق بين الرسام والعامل التقني... العامل سيكون فرحا فقد أنجز مهمته وانتهى منها ويشعر الآن بالتعب فقد أخذت وقتا طويلا وجهدا كبيرا، أما الآن فلا مزيد من الفرش والألوان والرسم... لقد كان ينتظر النتيجة فقط، لقد كانت هدفه الأساسي من الرسم... الآن يشعر بالسعادة لأنها انتهت ولكنه لم يشعر بأي سعادة أثناء الرسم... الآن فقط...

 على عكس الرَّسام المبدع والخلاق... فقد كان سعيدا أثناء الرّسم ولكن بعد انتهاء اللوحة شعر بحزن عميق... "لقد انتهت الآن؟ تلك القمة من السعادة والفرح والنشوة قد انتهت؟ تلك المغامرة بالذهاب للمجهول انتهت؟"

تمام كما يشعر المحبين عند فراقهم بعد علاقة حب سعيدة... حزن يغلفه جمال غريب...

شعور يعني للرّسام الكثير... أكثر من سعادة العامل التقني لأنه من خلال هذا الحزن ستظهر لوحة أخرى وإبداع آخر...

من خلال هذا الحزن سيظهر شغف آخر للوصول إلى تلك القمة...

سيتوق أكثر للوصول إلى ما هو أبعد منها...

سيظل يبحث ويفتش عن عملية خلق جديدة...

 يقُال أنه بعد انتهاء المؤرخ ادوارد جيبون من عمله العظيم حول تاريخ العالم، والذي استغرق منه 33 عاما لينهيه، لم يتغير شكله ولم يكبر خلال كل هذه السنوات... فقد ظل كما هو وكأن الوقت توقف... ولكنه بكى بهد انتهاء العمل ولم تصدق زوجته ما رأته فلا بد له أن يكون سعيداً ويرقص من الفرح فقد اكتمل عمله!

ولكن بالنسبة له فإن عمله اكتمل أي أن حياته اكتملت.... فما الذي سيتبقى له الآن...

وبعد مرور خمس سنوات فقط كبر في العمر كثيرا وفي السنة السابعة مات...

وقيل أن فان غوخ انتحر بعد أن شعر بأنه رسم اللوحة المثالية... قد يكون هذا صحيحاً، فما الذي يتبقى له لكي يعيشه إذا وصل للوحة المثالية.....

المبدع يعيش ليبدع والمغني يعيش للغناء والراقص يعيش ليرقص والمحب يعيش ليحب والشجرة تعيش لتزهر... فإذا أزهرت الأزهار المثالية وانتهت فما الداعي من التوق إلى كون لا معنى فيه ولا هدف؟

فهل من الممكن رسم لوحة كاملة ومرضِية تماماً؟

نعم ولا... نعم أثناء الرسم لأنك ستشعر بكل الرِّضا، ولا عندما تنتهي لأنك ستشعر بالحزن... ولكن هذا الحزن إبداع أيضاً.... لأنه من هذا الحزن فقط ستبدأ مجدداً بالبحث عن قمة النور لتذهب لها مرة أخرى....

 وفي هذا العالم لا يوجد ما هو كامل أبداً... فكل شيء ينمو ويبحث عن شيء آخر.. لهذا نجد حركات التقدم والتطور ولكنها تقترب دائما من الكمال ولكن لا تصل إليه... ولن تصل إليه....

لا شيء كامل... في الحقيقة عدم الكمال فيه شيء من الجمال...

لأن عدم الكمال يعني بأن الحياة ما زالت تجري في هذا الشيء، فكر قليلاً... إذا كان شيء ما كامل فعلاً فإن الحياة ستختفي منه...

فالحياة توجد فقط في الأمور التي ما زالت ناقصة وتحتاج لأن تكتمل...

الحياة هي الجهد الذي يتم لإكمال غير الكامل...

الحياة هي الرغبة في جعل القبيح جميل...

ولذ فإن شيء من عدم الكمال ضروري للحياة لكي تستمر في النمو.....

لا شيء كامل... يقال في الشرق بأنه متى ما كان الإنسان كاملاً فإن هذه هي حياته الأخيرة... نعم فلا حاجة لأن يعيش في هذا العالم بعد الآن...

هناك شاعر هندي عظيم يدعى رابندرناث، كان يطلب من الله قبل أن يموت "أرجعني مرة أخرى لهذا العالم، فأنا لست كامل... إن عالمك جميل جداً وقد أعطيتني حياة ثمينة ولا أريدها أن تكون الأخيرة واختفي... ما زال هناك المزيد من الأغاني والأشعار واللوحات التي أريد أن أقوم بها... ما زال في قلبي ما يريد أن يزهر، أرجعني أنا لست كاملاً! أرجعني"

لقد كان هذا طلبه الأخير... فيا لها من طريقة رائعة للموت إنه شكر عظيم لله... "إن عالمك جميل لقد أحببته... وقد خلقتني له دون أن أقوم بما أستحقه عليه... لا أستحق العودة ولكن رحمتك واسعة فأرجعني ولو لمرة واحدة بعد...."

الحياة تستمر في النمو... لا شيء يصل للكمال فبمجرد ما أن يصل إليه يختفي... تماما كنفخ الشمعة... بمجرد ما أن تنفخ عليها يختفي ضوءها إلى اللا شيء...

لذ لا تبحث عن الكمال، لا في اللوحة ولا في أي شيء آخر.. لأنك عندما تتخيل الأمر في أعماق قلبك وتأتي لترسمه أو تضعه كشيء ملموس في الخارج سيكون أمراً مختلفاً تماماً... فأنت تنقل من الداخل للخارج وفي عملية النقل هذه يضيع الكثير... ولهذا لا يشعر أي رسام بالرضا التام بعد إنهاء لوحته... فهي ليست كالتي أراد أن يرسمها، تشبهها ولكن ليست هي...

ولذا يبدأ بالرسم مرة أخرى فالمقارنة بينهما أثبتت فشلها...

إن رابندرناث الذي ذكرناه قبل قليل كتب 6000 أغنية جميلة... ولكن قبل أن يموت كان يبكي ويقول "لم أغن الأغنية التي أريدها بعد" فقال صديقه الذي كان يجلس بجانبه... "ما الذي تقوله؟ هل جننت؟ لقد غنيت 6000 أغنية ينبغي أن تكون سعيداً وراضياً!"

ولكن رابندرناث فتح عينيه وقال "أنا لست سعيد، صحيح أنني غنيت 6000 أغنية ولكن ما أردته فعلا كانت أغنية واحدة! ولكن لأنها كانت مستحيلة كنت أحاول مرة واثنتين وثلاث... وفشلت 6000 مرة. جميعها محاولات ولكن التي أردت أن أغنيها ما تزال بداخلي غير مغناة بعد."

في الحقيقة لا أحد يمكنه أن يغنيها...

هناك أشياء لا يمكننا أن نخرجها أو لا يمكننا أن نتحدث عنها... ليس لأننا لا نعرفها ولكن لأنها لا يمكن أن توضع في كلمات.... مستحيل...

مثل سؤالنا عن الله أو الروح أو الموت أو الحياة أو الحقيقة أو الحب... وأشياء غيرها كثير، أنت تشعر بها وتعرفها ولكن لا يمكنك أن تقولها، يستحيل تحديدها بكلمات...

هناك حكاية قديمة تحكي عن حائط غامض يمتد على طول قرية ما، وما أن يتسلق أحد هذا الحائط وينظر للطرف الآخر يبتسم ويقفز هناك ولا يعود أبداً... وهكذا إلى أن أكل الفضول أهل القرية فأرادوا أن يعرفوا ما هو هذا الأمر الذي يجذب كل من ينظر إليه، فقرروا أن يربطوا قدم أحدهم ويجعلوه ينظر من فوق الحائط... وعندما نظر الرجل للطرف الآخر وابتسم سحبوه للأسفل فورا ليسألوه عما رآه...

ولكن الرَّجل فقد القدرة على الكلام...

 أولئك الذين رأوا لا يمكن أن يتحدثوا... والذي تراه لا يمكن أن ترسمه أو تنزله إلى مستوى الكلمات...

ولكن لا بد أن تحاول دائماً مهما كان... هكذا تستمر الحياة...

 إن ما يجعل هذا العالم في غاية الجمال هي المحاولات... فتلك الـ 6000 أغنية تزيد من جمال العالم بالرّغم من أنها لم تكن ما أراد رابندرناث أن يغنيه... فستستمر بالرنين فيه لتجعله أجمل وأجمل...

لذا استمر بالرسم والإبداع ولكنك لن تجد الرضا التام أو اللوحة الكاملة، وأنا أتمنى أن لا تجدها... ولكن دع كل لحظة تمر على إبداعك تكون لحظة رضا وسعادة... وعندما تنتهي من شيء انتقل لآخر فلديك قدرات لا نهائية للإبداع... لأنك غير محدود بأي حدود فأطلق إمكانياتك إلى أقصاها...

إنك لا تعلم ما الذي يمكن أن تقوم به إلا أن تقوم به!

لهذا ترى المبدعين العظماء يشعرون بأن أعمالهم سيئة لأنهم يكتشفون يوما بعد يوم ما الذي يمكنهم القيام به أكثر... إن الإنسان الذي لا يحاول أن يبدع بأي طريقة كانت ولا يتعرف على نفسه لا يمكن له أن يعي قدراته...

فعندم تقوم بأمر تراه بوضوح في داخلك ولكن بمجرد ما أن تنتهي منه ويصبح في العالم الخارجي يتحول إلى شيء عادي وليس كما رأيته في داخلك...

وستحاول مجددا وكل محاولة ستكون أفضل...

وستكون أكثر كمالاً ولكن ليست كاملة....

المقال السابق المقال التالي