الخلف

الحب أم الطعام؟

إن نسبة البدانة في زيادة مستمرة حول العالم... وبالطبع للنظام الغذائي دور هام في ذلك ولكن لماذا نلجأ إلى الطعام في الدرجة الأولى؟؟.. لماذا لا نسمع بأن نسبة الرياضة قد ازدادت أو أن نسبة المهتمين في الطبيعة قد أصبحت تشكل خطراً على المعامل والمصانع؟؟؟ لماذا الإقبال على الطعام في ازدياد مستمر؟؟؟

الطعام هو البديل لشيء آخر يبحث عنه الإنسان ويطلبه باستمرار... هو الحُب...

هناك علاقة وثيقة بين الحُب والطعام وربما لاحظتم ذلك... إن كنتم تعيشون علاقة حُب وصحبة جميلة فنادراً ما تفرطون في تناول الطعام... ولن تحتاجوا أبدا إلى نظام غذائي ينظّم الأوقات والكميّات... لأنّ الحُبّ يملأ كياننا بحيث لا نحتاج إلى ملء بطوننا... أما عندما يغيب الحُب من حياتنا فنشعر بالخواء وهذا بدوره يدفعنا إلى البحث عن شيء آخر... لكن لماذا نختار الطعام؟ هل هناك ارتباط نفسي بين الطعام والحُب ؟

يحصل الطفل على الحُب والطعام  في آن  معاً من ثدي أمه... وكلما كانت الأم حنونة كانت مستعدة لمنح ثديها لطفلها قدر ما يشاء... لكن عندما تكون غاضبة تسحب ثديها من فمه... أي شكّل ثدي الأم عند الطفل أوّل علاقة اتصال مع جسد آخر... لذلك فلا غرابة من أنّ كل الرّسامين، النحّاتين والشعراء يهجسون بثدي الأنثى  في أعمالهم... وإلا فلماذا يقوم مشاهير الرّسامين برسم الثدي؟ ولماذا تنال رسومهم المديح والجوائز؟؟؟ إنّه الحرمان منه... فقد تكون الأم غير حنونة كفاية على قدر رغبة طفلها... كما أنّ معظم الأطفال قد حرُموا من الإرضاع قبل الوقت المناسب وقبل شبع الأطفال النفسي والجسدي...

في المجتمعات البدائية كان الثدي يُعطى للطفل بقدر ما يريد وتلك هي المجتمعات الوحيدة التي لا تهجس بثدي الأنثى... لا يرسمون الثدي أبداً، لا يكتبون فيه الشعر، لا ينشدون له الأغاني ولا يشكل العامل الأول الذي يستحوذ على تفكير الرِّجال ولا أي شيء من ذاك القبيل لأن الثدي لم يدخل مخيلتهم قط...

بسبب تلك العلاقة بين الأم وثديها والطفل ارتبط الطعام بالحُب برباط عميق في العقل لذلك كلما شعرنا بالحرمان من الحُب نبدأ بالتهام الطعام وحشو أنفسنا حتّى نشعر بالرّاحة والأمان من جديد...  ولكن ستختفي تلك المعاناة من تلقاء نفسها عندما نرتفع في الحُب... فالحُب غذاء على مستوى أعلى من مستوى الجسد... لذلك نكتفي به ولا نلجأ إلى الطعام والإدمان عليه...

نحن نضع في معدتنا نفايات كثيرة... لأنّها المكان الوحيد في الجسد الذي يمكن أن نكدسها فيه....  أي شيء نريد كبته، نكبته في المعدة... نخجل من البكاء عندما يتوفى أحد، محبوبة، صديق، أحد من الأهل فلكي لا نظهر ضعفنا أو كي لا يُقال تبكي كامرأة نكبت دموعنا وبكاءنا... أين؟ في المعدة... المكان الطبيعي لكبتها... لأنّها المتّسع الوحيد في الجسد... التجويف الوحيد المناسب لهذه النفايات...

عندما نكبت؛ والجميع يفعل ذلك... يكبتون مشاعر الحب، الغضب، الحزن، الجنس، حتى مشاعر الضحك، لا تستطيع أن تضحك ملء بطنك كي لا يبدو سلوكا فظا، سوقيّا وتبدو غير مثقف... بسبب هذا الكبت لم تعد قادراً على التنفس بعمق... تتنفس تنفّسا سطحيّاً وإن تنفست بعمق فإن هذه الجروح المكبوتة ستطلق عنان الغضب داخلك... أنت خائف، يخاف الجميع من إنطلاق الغضب في معدتهم...

عندما يولد المرء يتنفس من بطنه... راقب طفلاً حديث العهد وهو نائم، ترى بطنه يرتفع وينخفض مع كل شهيق وزفير... كل الأطفال يتنفسون من بطونهم  لا من صدورهم لأنهم أحرار ولاشيء مكبوت في معدتهم إنها فارغة ولهذا الفراغ جماله في الجسد... تحتاج إلى تنفّس عميق كي تنظّف معدتك تماما فعندما تأخذ شهيقاً عميقاً وتزفر بعمق تلفظ المعدة كل ما فيها من كبت... لذلك يجب أن تركّز على الزفير حتّى تتخلّص المعدة من كل شيء غير ضروري فيها...

يوجد أناس كثيرون يعانون من وزنهم الزائد ولم يستطيعوا تخفيفه رغم كل الحميات التي اتبعوها... لأنه عندما يكون الإنسان بدينا ويريد اتباع حمية للتخفيف يكون لديه تصوّر مثالي عن الشكل الذي يجب أن يكون عليه، ولديه أيضاً هدف شديد الوضوح يفشل في تحقيقه ولا يستطيع أن يقبل جسده كما هو، يرفضه ويشعر بالتعاسة بسبب ذلك الرّفض... لذلك ببساطة تخلّص من المثاليّات والأهداف التي تنظر من خلالها إلى الأشياء...  فقط انزعها من رأسك وسترى أنك لم تخسر ولن تفقد أي شيء وستبقى طاقتك متدفقة... عندما تعيش الحياة كما هي سيبدأ جسدك بفقدان الوزن لأن الخص ومة المستمرّة مع الجسد هي التي تجعله يسمن... فعندما تعادي جسدك باستمرار تخلق فيه شعوراً بعدم الأمان وهذا الشعور يدفع إلى طلب الطعام باستمرار... إنه كالطفل الذي لا يستطيع أن يثق بأمّه وإذا لم يستطع الطفل أن يثق بأمّه سيتعلّق بثديها عندما تلقّمه إياه لأنه لا يعرف متى سيحصل عليه مرة أخرى...  انه غير واثق ولا يستطيع التوافق مع شعور عدم الأمان لذلك سيستمر بالأكل والشرب بقدر ما يستطيع سيزوّد نفسه بالغذاء تحسّبا للمستقبل غير المضمون... لكن عندما يعرف الطفل أنّ أمّه تحبّه وستكون موجودة بجانبه دوماً عند حاجته إليها فإنه لن يُتخم نفسه بحليبٍ يعرف أنه يستطيع الحصول عليه متى احتاجه... عندئذ يرتاح ويأكل بقدر ما يحتاج ولا حاجة به إلى اختزان المزيد...

في الواقع الشحوم هي مخزون يدخره المرء تحسّبا للمستقبل...  لكن هناك الآن وفرة غذائية كمّاً ونوعاً ولا حاجة بك لأكل طعام زائد عن حاجتك بيد أنّ الأمان النفسي مفقود وهو الذي يحدد حاجات الجسد... فيبدأ هذا الأخير بالشعور بانعدام الأمان الأمر الذي يؤدي به إلى تناول مزيد من الطعام...

تخلص من المثاليات أولاً... فليس هناك ما يجب أن تثبته لأحد... فأنت جميل تماماً كما أنت... تمتّع بحياتك الآن وأبداً واستمتع بها بقدر ما تستطيع... عندها يقلّ طعامك تلقائيّاً فالإنسان السعيد لا يأكل كثيراً...

المقال السابق المقال التالي