الخلف

الوصول إلى الأصول

عندما تكون في حال من الاستسلام والتسليم تبدأ الأزهار بالزهو من حولك وبداخلك... ستبدأ أشياء كثيرة بالحصول في حياتك... تلك الأشياء هي التي يريدها الخالق لك وليست تلك التي تملأ غريزتك ورغباتك... عليك أن تتناغم وتتفاعل مع الوجود لا أن تضع الموجود تحت أمرتك وتصرفك... هذا هو الفرق بين المتأمل والمتبصر... المتبصّر يريد من كل شيء أن يكون وفقاً لما يريد... يسخّره ويستعبده ويحاول تملّكه، لكنّه في الحال يكون في حال من الضياع والانصياع... فكيف يمكن للمحدود أن يسخّر اللامحدود، كيف يمكنه أن يكون وفقاً لتوقعاته الموقعة من أنانيته وكيانه، وفقاً لطلباته ومتطلباته... ما أن يضع لنفسه أهدافاً وغايات يكون قد حدد لنفسه الحفرة التي سيقع فيها ومهما حاول فالأهداف ستبقى في الخيال ولا سبيل للوصول إليها إلا في الأحلام والأوهام... ولن يصل...

 أما التأمل فهو انتظار المجهول بولع المجنون... انتظارٌ خالٍ من التوقّع والوقوع في الأوهام... انتظارٌ لا يملأه سوى المحبوب... كلما كان الانتظار صاف وشفّاف كلما أحسسنا بالوئام وارتوى الظمآن... هذا ما علينا فعله... أن ننتظر بدون رغبة في شيء ولا فروغ الصبر من هذا الشيء... عندها تهطل النِعم كما يهطل المطر... سننال من البركات ما عدده بعدد حبات الرّمال ونجوم السماوات وأكثر... إنها أكبر مما نحلم بكثير وأبعد من حدود العقل والتفسير...

 لا يوجد شيء يمكن أن تتوقعه وترغب فيه... فالخالق أحكم من أحكامك وهو أدرى منّى بحالي وكياني... ما أن تكون مستسلماً بمحبّة وهيام حتى تبدأ بالذوبان في محيط العرفان... حياة من الاستسلام والتسليم بدون أي توقّع وتوقيع هي حياه التديّن وانصهار النقطة بالمحيط...

 الخالق وكل مخلوق مليء برحمته وحكمته ولكن لا يراها إلا اللذين لا يطالبوا ويتململوا وإنما يتهلهلوا ويهللوا بحبه وعشقه... اللارغبة هي الباب لكل ما في الحياة من سعادة... عليك بالانتظار بصبر وتأمل وكل ما في الوجود سيزهر ويظهر لك وبداخلك...

 الأفضل ألا تطلب أي شيء وإلا ستصاب بالإحباط... فقط عليك أن تثق بصمت المؤمن وتنتظر بصبر المتأمل وستمتلك كل ما في الحياة ويمتلئ وجودك بسر وأعاجيب الكون والمكوّن وأي أعظم أعجوبة من أن تتعرف على ذاتك وتكتشف الله بداخلك... أنا أقرب إليك من حبل الوريد...

المقال السابق المقال التالي