الخلف

نمو أم تقدّم في السِن؟؟

كلنا نتقدم في السن منذ اللحظة التي نولد فيها... أنت تعرف ذلك على وجه اليقين ولكنك لا تفكر به لأن مجرد التفكير سيزيدك شقاء وتعب... لماذا؟؟ لأن الموت هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن نتوقعه بصورة أكيدة كنتيجة للتقدّم في العمر... فالتقدّم في السن هو الباب الذي يقود إلى الموت...

راقب نفسك... إنك تعرف انك تقدّمت في السن عندما تخذلك فتاة وكل ما تشعر به هو الارتياح... تعرف أنك تقدمت في السن عندما تبدأ بإطفاء الأنوار لأسباب اقتصادية وليس رومانسية... الشيخوخة هي تلك المرحلة من الحياة حيث يعني التقدم أن تراوح مكانك ولا تنتقل إلى مكان آخر... الشيخوخة هي المرحلة التي يمكنك فيها أن تقوم بكل ما كنت تقوم به في الماضي ولكنك تفضل ألا تفعل ذلك...

 التقدم في السن هو تجربة غامضة... وكل التفسيرات للموت صدرت عن العقل الغربي... حاول العثور على أي مفكر شرقي ينظر إلى الموت من هذه الزاوية ولن تجد... بل على عكس ذلك لقد نظر الشرقيون إلى التقدم في السن بكل تقدير واحترام...

 إذا تحرّكت حياتك على الخط الأفقي تكون قد تقدمت بالسن ولكن إذا تقدّمت حياتك على الخط العمودي صعوداً تكون قد بلغت مجد الشيخوخة وجمالها... إنّ الشيخوخة في الشرق كانت ولا تزال مرادفا للحكمة...

لندخل أعمق في تفسير ذلك:

هناك طريقتان: الأولى أفقية، من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب إلى مرحلة الشيخوخة إلى الموت...

الطريقة الثانية: عمودية هي من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب إلى مرحلة الشيخوخة إلى الأبدية والخلود...

هناك فرق نوعي كبير بين الطريقتين. والإنسان الذي تقوده الطريق إلى الموت هو من تماهى مع جسده طوال الطريق. وهو من لم يعرف أي شيء عن وجوده لان الوجود لا يولد ولا يموت كان ولا يزال وسيبقى. انه الأبدية

على الخط الأفقي يصبح الطفل شابا ولكن مرحلة الشباب على الخط العمودي تختلف كثيرا عن مرحلة الشباب في الخط الأفقي والطفولة بريئة على الخطين لكنها تشكل نقطة الافتراق نحو مرحلة الشباب، إن مرحلة الشباب على الخط الأفقي قائمة على الشهوة، الجنس، السخافات بينما على الخط العمودي بحث عن الحقيقة وبحث عن الحياة وهي توق الإنسان لمعرفة ذاته...

على الخط الأفقي ليست الشيخوخة سوى ارتجاف وخوف من الموت ولا يمكن للإنسان أن يفكر إلا بالقبر وظلمته ولا يمكن أن يتخيل نفسه سوى هيكل عظمي، على الخط العمودي الشيخوخة هي احتفال وهي أجمل مراحل الحياة، على الخط العمودي تفتح الشيخوخة أبوابها لدخول الزائر الأخير وهي ليست نهاية بل بداية الحياة الحقيقية للذات...

 لذلك هناك فرق بالتقدم في السن والنضج... قليل من الناس أسعدهم الحظ وأصبحوا ناضجين أما باقي الناس فإنهم يتقدمون في السن ويتحركون باتجاه الموت ولا وجود للموت على الخط العمودي لأنه طريق الأبدية والإلوهية...

هناك الكثيرين ممن نعرفهم جميعا ازدادوا جمالا عندما تقدموا بالسن وأصبحوا أكثر براءة مما كانوا عليه في طفولتهم هذا هو النضج... إذا لم تتحرك على الخط العمودي فأنت تضيّع فرص الحياة لأن الخط العمودي هو الذي يقرّبك من الحياة عندها لا تصبح ولادتك بداية الموت بل بداية الحياة الأبدية...

ما يحصل على الخط الأفقي انه عندما تتقدم في السن تصبح أكثر تعلقاً بالرّغبات لأنك تعلم انه لم يعد أمامك سوى الموت وهكذا تريد أن تتمتع بما بقي لديك من الحياة بقدر الإمكان... إن الرَّجل المسن على هذا الخط يفكر كثيرا بالماضي باستمرار، على الخط العمودي تشعر بالرَّغبات والطموحات مع التقدم بالسن تزول تدريجيا كما أن العبوديّة تفارقك بجميع أوجهها السياسيّة والقوميّة وتصبح فرداً حقيقيّاً تشع من خلاله الإنسانية...

هناك خبرات رائعة على الخط العمودي أما على الخط الأفقي هناك انحطاط.  

إذاً بدل أن تشغل نفسك بالشيخوخة فكّر على أي خط يتحرك قطار حياتك لا يزال أمامك متسع من الوقت لتبدل قطارك يمكنك أن تنتقل من الأفقي للعمودي وهذا هو المهم والباب هو التأمّل... هو الطريق لتتعرّف على رحلتك وحياتك في كل لحظة وتحوّلها إلى يقظة...

المقال السابق المقال التالي