الخلف      

المُرشد الرَّاشد

مرّة من المرّات كان جنيد مارّاً ببغداد... وكان هنالك صوفي مزيّف حوله التلاميذ في ازدياد...
عندما شاهد الصوفي المزّيف جنيد أصيب برعب حاد مع أن جنيد لم يكن من الجنود الأشداء... كان إنساناً بريئاّ يتمايل ويغنّي على أنغام مريده الوحيد مرداد...
عندما عَلِم الصوفي المزيّف أنّ معلّماً كبيراً أصبح على أبواب البلاد والناس تتوجه إليه بالأعداد... خاف واضطرب وأرسل إليه كوباً ًممتلئاً جدّاً بالحليب لا يتسع لإضافة قطرة واحدة...
فسأله المُريد: ماذا تعني؟؟... ردَّ الصوفي المزيّف: دعك مما أعني... خذه فقط إلى جنيد... ودعنا نرى ماذا سيجري...
قدّم المريد كوب الحليب الممتلئ جدّاً إلى جنيد وأخبره أن معلمه يبلّغه سلامه...
عندها طلب جنيد من مرداد أن يقطف إحدى الزهور البريّة الموجودة بقربه... ففعل وأعطاه إحدى الزهور دون أن يفهم شيئاً...
وضع جنيد الزهرة في كوب الحليب الممتلئ... وأعاده للرَّجل الذي أحضره قائلاً: خذه إلى معلمك...
فقال الرّجل: ولكني لم أفهم المقصود...!!
ردّ جنيد: معلّمك سيفهم المقصود... ويعرف المنشود...

لنعود ونفسّر الموضوع من دون حدود...

قام الصوفي المزيّف بإرسال كوب الحليب الممتلئ جدّاً ليخبر جنيد بأنّ البلاد ممتلئة بالصوفيين وليست بحاجة إلى أي معلّم جديد... أي لا مكان لك هنا يا جنيد... فلتذهب إلى مكان بعيد... ولكن جنيد وضع الزهرة البريّة على سطح الكوب لتطفو بسلام واستسلام... أي لا تقلق بشأني... تابع هذه التجارة فان لن أسبب لك أي خسارة... حتّى وسط هذا الحشد المحشود... سأبقى ساجداً للمسجود... شاهداً على شهد القلوب كزهرة تطفو على سطح الكوب... طبعاً انكشف الصوفي المزيّف... واكتشف مريدوه الأمر... عندما تشرق الشمس يحترق عود الكبريت ويصبح من دنيا الأمس... بحضور جنيد أحسّوا مباشرة بحضرة من نور تخترق وجودهم وتحرق جمودهم بفرح وسرور... بينما مع معلّمهم المشهور لم يلمسوا شيئاً أبعد من القشور حتّى أن هذا المعلم جاء  بنفسه إلى جنيد وطلب منه الصفح والسَّماح... فقال له جنيد: من أنا حتّى أسامحك... أطلب السَّماح من صاحب العفو والسَّماح... وحده يسمح ويشرح... "ألم نشرح لك صدرك"... وحده السميع السميح... كلنا ممسوحين بروحه ونوره... هذا هو المُرشد الحقيقي... الذي يرشدك إلى الرَّشيد... يشدّك ويوحّدك بالواحد الأحد... الصامد الصمد...
ابحث عنه ولا تيأس... اطلبه تجده...
قلبك دليلك... استفتِ قلبك ولو أفتوك...

المقال السابق المقال التالي